ابراهيم بن عمر البقاعي
37
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كانت هذه الأمور موجبة لرفعته ، فكان حينئذ أبعد شيء عن السجن لو كان الناس متمكنين من جري أمورهم على حسب السديد من عقولهم ، أخبر تعالى أنهم خالفوا داعي السداد واستبدلوا الغيّ بالرشاد ، لحكمه بأن السجن سبب عظيم لصرف كيدهن عنه وإثبات العز والمكنة له ، ففعلوا - مع علمهم بأن ذلك ظلم وسفه - إجابة لغالب أمر اللّه وإظهارا لعليّ قدره بمخالفة العوائد مرة بعد مرة ، وهدم سداد الأسباب كرة أثر كرة ؛ فقال : ثُمَّ لهذا المعنى ، وهو أنهم كان ينبغي أن يكونوا من سجنه في غاية البعد بَدا أي ظهر بعد الخفاء كما هي عادتهم لَهُمْ والبداء في الرأي : التلون فيه لظهور ما لم يكن ظهر منه . ولما كان ذلك الظهور في حين من الدهر تلونوا بعده إلى رأي آخر ، أدخل الجار دلالة على ذلك فقال : مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا أي رؤيتهم الْآياتِ القاطعة ببراءته القاضية بنزاهته من قد القميص وشهادة الشاهد وغير ذلك . ولما كان فاعل « بداء » رأى ، فسره بقوله مؤكدا ، لأنه لا يصدق أن الإنسان يفعل ما ظهر له المانع منه : لَيَسْجُنُنَّهُ فيمكث في السجن حَتَّى حِينٍ أي إلى أن تنسى تلك الإشاعة ، ويظهر الناس أنها لو كانت تحبه ما سعت في سجنه ، وقيل : إن ذلك الحين سبع سنين ، قيل : كان سبب ذلك أنها قالت للعزيز : إن هذا قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر كما يحب ، وأنا محبوسة ، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر كما يعتذر ، وإما أن تسويه بي في السجن ؛ قال أبو حيان : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : فأمر به فحمل على حمار وضرب أمامه بالطبل ، ونودي عليه في أسواق مصر أن يوسف العبراني أراد سيدته ، فهذا جزاءه أن يسجن ! قال أبو صالح : ما ذكر ابن عباس رضي اللّه عنهما هذا الحديث إلّا بكى - انتهى . وهذا دليل على قوله إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [ يوسف : 28 ] . قال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب اللوامع : وعلى الجملة فكل أحوال يوسف عليه الصلاة والسّلام لطف في عنف ، ونعمة في طي بلية ونقمة ، ويسر في عسر ، ورجاء في يأس ، وخلاص بعد لات مناص ، وسائق القدر ربما يسوق القدر إلى المقدور بعنف ، وربما يسوقه بلطف ، والقهر والعنف أحمد عاقبة وأقل تبعة - انتهى . ولما ذكر السجن ، وكان سببا ظاهرا في الإهانة ، شرع سبحانه يقص من أمره فيه ما حاصله أنه جعله سبب الكرامة ، كل ذلك بيانا للغلبة على الأمر والاتصاف بصقات القهر ، مع ما في ذلك من بيان تحقق ما تقدم به الوعد الوفي ليوسف عليه الصلاة والسّلام وغير ذلك من الحكم ، فقال تعالى : وَدَخَلَ أي فسجنوه كما بدا لهم ودخل